بين الذات والمهنة: رؤية فرانك بارسونز التي غيّرت مفهومنا للاختيار الوظيفي

في
مطلع القرن العشرين، وبين صخب الثورة الصناعية الأمريكية وتدفّق المهاجرين إلى
المدن الكبرى، كان الشباب يدخلون سوق العمل بلا بوصلة حقيقية. المهنة آنذاك لم تكن
قرارًا واعيًا؛ بل امتدادًا عائليًا، أو استجابةً لحاجة اقتصادية، أو محض صدفة.
في هذا
السياق ظهر فرانك بارسونز (1854–1908) ليطرح سؤالًا غير مسبوق في بساطته وعمقه:
هل يمكن أن يكون اختيار المهنة عملية عقلانية
واعية، وليست استجابة عشوائية للظروف؟
من هنا
وُلد كتابه المؤسس Choosing a Vocation (1909)،
الذي لم يكن مجرد مؤلف، بل إعلان ميلاد لعلم الإرشاد المهني الحديث.
لم يقدّم بارسونز نظرية معقدة أو مصطلحات غامضة؛ بل صاغ إطارًا بسيطًا صار لاحقًا حجر الأساس لما عُرف بنظرية السمات والعوامل (Trait and Factor). تقوم رؤيته على ثلاث ركائز مترابطة:
القدرات، الميول، الاهتمامات، القيم، والقيود الواقعية.
أن يعرف الإنسان ما يجيده حقًا، وما يمنحه الشعور بالحيوية، وما ينسجم مع منظومته القيمية.
فهم متطلبات المهن، بيئاتها، شروطها، ومساراتها.
اللحظة التي يلتقي فيها وعي الذات بوعي السوق.
ليست مجرد أمنية، بل نتيجة تفكير نقدي يوازن بين الإمكانات والفرص.
رغم التحولات الرقمية وتسارع المسارات المهنية، فإن جوهر رؤية بارسونز لا يزال صالحًا:
- الطالب
الذي يختار تخصصًا بدافع “الهيبة الاجتماعية” يتجاوز خطوة معرفة الذات.
- الخريج
الذي يصطدم بواقع المهنة يفتقر غالبًا إلى فهم عميق لعالم العمل.
- الموظف
الذي يشعر بالاغتراب بعد سنوات لم يفشل شخصيًا؛ بل افتقر قراره الأول إلى
عملية مطابقة واعية.
لقد منح الفرد حق التفكير المنهجي في مستقبله المهني.
الإنصاف العلمي يقتضي الاعتراف بأن رؤية بارسونز لم تكن مكتملة:
- ركّز على قرار
الاختيار أكثر من مسار التطور المهني عبر العمر، وهو ما عالجته لاحقًا نظريات
النمو المهني (مثل دونالد سوبر).
- افترض سوق
عمل شبه مستقر، بينما عالمنا المعاصر يتسم بالسيولة والتغير السريع.
- لم يمنح
العوامل الاجتماعية والاقتصادية وزنها الكامل، وهو ما أبرزته لاحقًا النظريات
السياقية والبنائية.
في عصر المنصات الرقمية والاختبارات المعقدة، يظل السؤال المحوري الذي ينبغي أن يسبق كل أداة:
الإرشاد المهني الحقيقي لا يبدأ بسؤال:
“ماذا تريد أن تصبح؟”
بل يبدأ بسؤال أعمق:
“من أنت؟ وما الذي يتناغم معك حين تمارسه؟”
ثقافة قرار، لا مجرد نموذج نظري.
ثقافة تُقدّم الوعي على التقليد، والتحليل على العشوائية، والإنسان على السوق.
لقد حوّل اختيار المهنة من حدث عابر… إلى فعل إنساني واعٍ.
إن مساهماتكم واقتراحاتكم ذات قيمة كبيرة بالنسبة لي ، وسأكون ممتنًا جدًا لتعليقاتكم .